الخدمات القنصلية الأميركية في المستوطنات.. مظلة لتشريع الاستيطان وضم الضفة

الخدمات القنصلية الأميركية في المستوطنات.. مظلة لتشريع الاستيطان وضم الضفة
تقارير وحوارات

الاستقلال/ معتز شاهين:
اعتبر خبراء فلسطينيون، خطوة السفارة الأميركية في القدس بتقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنات الضفة الغربية المحتلة بمثابة "غطاء للاستيطان" وشرعنته على الأرض الفلسطينية، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثل تصعيدًا خطيرًا في سياسات الضم وتكرس السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ فلسطينية منذ عام 1967.
وحذر المحللون، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال"، أمس الأربعاء، من أن الإجراءات الأميركية والإسرائيلية المتلاحقة تهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض، يزيد من التهجير القسري ويقوض الاستقرار في مدن الضفة الغربية والقدس، ما يستدعي تحركًا فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا عاجلًا لوقف هذا المسار.
وأعلنت السفارة الأميركية في إسرائيل، مساء الثلاثاء، أنها ستبدأ تقديم خدمات قنصلية روتينية للمواطنين الأميركيين، بما في ذلك خدمات جوازات السفر، في عدد من المواقع، منها مستوطنة "إفرات" المقامة على أراضي التعامرة جنوبي بيت لحم، يوم الجمعة 27 فبراير/شباط، على أن تتبعها زيارات ميدانية خلال الشهرين المقبلين إلى مواقع أخرى، من بينها مستوطنة "بيتار عيليت" المقامة على أراضي قرى واد فوكين وحوسان غرب بيت لحم.
ومن المتوقع أن يستفيد من الخدمات آلاف المستوطنين اليهود الحاملين للجنسية الأميركية والإسرائيلية، ويعيشون ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ويخدمون في جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ردود فعل
ونددت جهات فلسطينية، الأربعاء، بالخطوة الأميركية، معتبرة أنها تمثل سابقة خطيرة. ورأت حركة الجهاد الإسلامي أن تقديم الخدمات القنصلية داخل مستوطنة "إفرات" يخرق كل المواثيق الدولية ويؤكد الانحياز الأميركي للاستيطان وسياسة الضم الإسرائيلي، مؤكدين أن الخطوة تمثل مشاركة فعلية في "الضم الصامت" وتجعل الإدارة الأميركية شريكًا مباشرًا في مشاريع تهويد الضفة الغربية.
كما استنكرت حركة "حماس" القرار، واعتبرته "اعترافًا عمليًا بشرعية" الاستيطان، مشيرة إلى التناقض الواضح في مواقف الولايات المتحدة التي تدّعي رفض ضم الضفة بينما تتخذ خطوات ميدانية تعزز السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
ضم الضفة
وأكد مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بوسط الضفة الغربية، صلاح الخواجا، أن خطوة السفارة الأميركية تمثل تطورًا خطيرًا نحو تشريع البؤر والمستوطنات، وتشكل تحديًا للمنظومة الدولية ولقرار محكمة العدل الدولية الذي يقر بحق الفلسطينيين في إدارة أراضيهم، ويعتبر الاستيطان غير شرعي.
وأضاف الخواجا لـ"الاستقلال" أن تقديم الخدمات القنصلية في مستوطنات مثل إفرات وبيتار عيليت، بالتوازي مع مدن داخل إسرائيل مثل حيفا، يهدف إلى مساواة الوضع القانوني للمستوطنات بالمدن الإسرائيلية، محذرًا من أن الخطوة ستؤدي إلى تأبيد الاستعمار في كل حدود فلسطين التاريخية.
واعتبر أن القرار الأميركي يأتي انسجامًا مع نهج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سعى إلى تفريغ المنظومة الدولية من دورها، ودعم سياسة الضم الإسرائيلي للضفة الغربية وتحويلها إلى مناطق معزولة، مع ما يترتب على ذلك من تقويض حقوق الفلسطينيين ومشروع الدولة المستقلة.
غطاء للاستيطان
وأكد المختص بشؤون الاستيطان والقدس، علاء الريماوي، أن خطوة السفارة الأميركية في القدس تشكل حلقة جديدة في سلسلة خطوات أميركية منحازة للاحتلال، وتشكل غطاءً سياسيًا واضحًا لتسريع مشاريع الضم ومصادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وقال الريماوي لـ"الاستقلال" إن هذه الخطوة تأتي في سياق متدرج بدأ بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، مرورًا بتصريحات السفير الأميركي الداعمة للرواية الإسرائيلية، وصولًا إلى مواقف تمنح الاحتلال مساحة أوسع للتحرك دون قيود.
وأضاف أن مباشرة أنشطة قنصلية داخل المستوطنات تعني عمليًا التعامل معها كجزء من السيادة الإسرائيلية، في مخالفة صريحة للقانون الدولي، مشيرًا إلى أن الدعم الأميركي يمتد إلى شبكات جمعيات ومؤسسات توفر دعمًا مباشرًا وغير مباشر للمشاريع الاستيطانية، بما في ذلك البؤر الرعوية و"فتية التلال".
وحذر الريماوي من أن هذه السياسات ستؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في مدن الضفة الغربية والقدس، معتبرًا أن الرسالة السياسية الأبرز هي إطلاق يد الاحتلال لفعل ما يشاء، ودفع الفلسطينيين نحو واقع مجزأ يهدد بتصفية قضيتهم الوطنية.
شرعنة الاحتلال
بدوره الكاتب والمحلل السياسي، عدنان الصباح، أكد أن خطوة السفارة الأميركية تمثل سابقة خطيرة وانحيازًا أميركيًا معلنًا لصالح الاحتلال، وغطاءً سياسيًا لمواصلة الاستيطان والتهجير القسري بحق الفلسطينيين.
وأشار الصباح لـ"الاستقلال" إلى أن خطوة السفارة تأتي استكمالًا لقرار إغلاق القنصلية الأميركية العامة في القدس، التي كانت تُعنى بشؤون الفلسطينيين، ودمجها بالسفارة، معتبرًا أن ذلك يمثل ضربة للمكانة السياسية والقانونية للوجود الفلسطيني في المدينة، ومقدمةً لتكريس الرواية الإسرائيلية على الأرض.
وأضاف أن الأنشطة القنصلية داخل المستوطنات تمثل اعترافًا عمليًا بسيادة إسرائيل عليها، في مخالفة واضحة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وأن الخطوة تمنح إسرائيل ضوءًا أخضر لمزيد من التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وحذر الصباح، من أن هذه الخطوة ستزيد التوتر في مدن الضفة والقدس، وتفاقم الاحتقان الشعبي، مؤكدًا أن ما يجري يمثل محاولة لفرض وقائع نهائية على الأرض وتصفية القضية الفلسطينية تدريجيًا، داعيًا إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي عاجل لوقف هذا المسار.

التعليقات : 0

إضافة تعليق